السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
183
مفاتيح الأصول
النسخ ولو لم يترجح الأخير فلا أقل من التوقف فيبطل الاستدلال نعم هذه الحجة تستقيم لو منع من جواز مفارقة البيان عن المبين مطلقا كما عزاه المحقق إلى الشيخ ولكنه محل نظر ومنها أنهما لفظان متعارضان وعلم التاريخ فوجب تسليط الأخير على الأول كما لو كان الأخير خاصا وفيه نظر لأنه قياس مع الفارق لأن الخاص المتأخر الوارد بعد حضور وقت العمل لا يكون إلا ناسخا إذ تجويز كونه لغوا باطل بخلاف العام المتأخر الوارد بعده فإنه يجوز أن يكون مخصّصا وناسخا والتخصيص أولى لأن دلالة الخاص على مورده أقوى من دلالة العام وذلك يوجب التسليط على العام تقدم أو تأخر كذا قيل وإن كان المدعى أن الأصل في كل متأخر أن يكون مسلَّطا على مقدمه فيطالب بدليله ومنها أن تردد الخاص المتقدم بين كونه منسوخا ومخصّصا يمنع من كونه مخصّصا لأن البيان لا يكون ملتبسا وفيه نظر لأن التردد كما يمنع من التخصيص كذا يمنع من النسخ لاشتراط كون كل من المخصص والناسخ معلوما فالدائر بينهما لا يتعين لأحدهما قطعا ومنها الإجماع المحكي في العدة فإنه قال بعد حكمه بأن الخاص المتأخر ناسخ معللا بعدم جواز تأخير البيان عن حال الخطاب وكذلك لو كان المتقدم خاصّا والمتأخر عاما فإنه يكون ناسخا إلا أن يدل دليل على أنه أريد به ما عداه ما تقدمه من الخاص وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم انتهى وفيه نظر للمنع من عدم الخلاف كيف والمخالف كثير ولعل دعوى عدم الخلاف راجعة إلى قوله إلا أن يدل دليل إلى آخره لا إلى قوله فإنه يكون ناسخا وحجة المتوقف أن كل واحد من هذين الخطابين أعم من صاحبه من وجه وأخصّ من آخر فإنه إذا قال لا تقتلوا اليهود وقال بعده اقتلوا المشركين كان بينهما عموم من وجه فإنّ قوله لا تقتلوا أخصّ باعتبار أن اليهود أخصّ من المشركين وأعمّ من حيث أنه يشمل الزّمان الَّذي لم يشمله المتأخّر والذي يشمله وقوله اقتلوا المشركين أخصّ باعتبار عدم شموله لما شمله المتقدم من الزّمان وأعم باعتبار شموله لما لا يشمله المتقدم من الأعيان وإذا كان كلّ منهما أعمّ من وجه وجب التوقف والرجوع إلى المرجح كما في تعارض العامين والخاصين وأجيب عنه بأن العموم من وجه إنما يفرض باعتبار فرض كون المتقدم نهيا فإنه يعم الأزمنة أما لو فرض أمرا فإنه لا يقتضي العموم بل يكون خاصا باعتبار الأزمان والأعيان لعدم إفادته التكرار فالنّهي المتأخر عنه يكون أعمّ من المتقدم في الأعيان والأزمان وفيه أن محلّ البحث كما نطق به عبادات الأصوليين هو تحقق التعارض بين الخاص والعام ولا يكون إلا بعد كون الخاص المتقدم شاملا للزّمان شمله المتأخر وذلك قد يكون باعتبار وضعه له كما إذا كان ذلك الخاص أمرا وقلنا بأنه يفيد التكرار وضعا أو باعتبار ظهور دليل يدل بظاهره على ذلك كما إذا كان الخاص أمرا وقام دليل من الخارج على إفادته التكرار أو باعتبار اقتضاء إطلاقه ذلك كما إذا كان ذلك الخاص أمرا مطلقا نحو أن يقول أكرم زيدا ولم يتمثل قبل ذكر العام فإنه بإطلاقه يدل على جواز الإتيان في أي وقت فيتعارض العام المتأخر وأما إذا امتثل وذكر العام بعده فلا تعارض أصلا فلا يجوز الحكم بتخصيص العام حينئذ وليس مثله داخلا في محلّ البحث فما ذكره المستدل إنما ينصب على محلّ البحث الذي دار الأمر فيه بالاتفاق بين النسخ والتخصيص وليس مقصوده التوقف في كلّ ما إذا ورد خاص قبل عام كما لا يخفى المقام الرابع أن يجهل التاريخ فلا يعلم المتقدم والمتأخر منهما وهو ينحل إلى صور الأولى أن لا يعلم مع ذلك بورود أحدهما قبل حضور وقت العمل واللازم حينئذ على مذهب من قال بالتخصيص في الصّور السّابقة القول بالتخصيص هنا أيضا وقد نبّه على هذا في المعارج فقال إذا جهل التاريخ بينهما فالَّذي يجيء على ما اخترناه أن يبني العالم على الخاصّ ولذا توقف بعض الحنفية لنا إما أن يكون مقارنا أو متقدما أو متأخرا وعلى التقديرات الثلاث وجب بناء العام عليه على ما قلناه وكذلك في صورة الجهالة لأنها لا تعد واحد الأقسام وكذا نبه عليه الأكثر لا يقال الحجة التي ذكرها في المعارج مدفوعة بما ذكره في النهاية فإنه قال بعد الإشارة إليها وتضعف بأن الخاص المتأخر إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام كان مخصّصا وإن ورد بعده كان ناسخا وحينئذ فإن كانا قطعيّين أو ظنيّين أو العام ظنيّا والخاص قطعيّا وجب ترجيح الخاص على العام مترددا بين أن يكون ناسخا أو مخصصا ولو كان العام قطعيّا والخاص ظنيّا فإن كان الخاص مخصصا جاز لما بيّنا من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد وإن كان ناسخا لم يجز العمل به فيكون مردودا فقد تردّد الخاص بين أن يكون مخصّصا وبين أن يكون ناسخا مقبولا وبين أن يكون ناسخا مردودا وحينئذ لا يجب تقدم الخاص على العام انتهى لأنا نقول هذا باطل لأن مجرّد دوران الاحتمال بين المذكورات لا يمنع من تقدم الخاص على العام بناء على لزوم ترجيح احتمال التخصيص حيثما تعارض مع احتمال النسخ لغلبة الأول كما هو بناء القائلين بالتخصيص في الصّور الثلاث السّابقة فالشرط عندهم في الحكم بالنسخ هو العلم بورود الخاص بعد حضور وقت